السيد محمد تقي المدرسي

181

من هدى القرآن

أولًا : اللازمة الواجبة الوقوع ، قال تعالى : « وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ » [ السجدة : 13 ] أي وقع فأوجبته ، وقال : « أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ » [ الزمر : 19 ] أي وجب ولزم . ثانياً : المحيطة ، جاء في المنجد : حاق بهم العذاب : نزل وأحاط ، والحيق : ما يشتمل على الإنسان ويلزمه من مكروه فعله ] ، قال تعالى : « وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ » [ فاطر : 43 ] أي لا يقع ويحيط إلا بهم ، وقال : « أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون » [ هود : 8 ] يعني وقع وأحاط . والذي يبدو لي من معنى الكلمة بالإضافة إلى ما تقدم : أنها الحق الذي يقع فيكشف عن الحقائق ويظهرها ، كما قال الله : « وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ » [ الأنفال : 7 ] يعني يثبته ويظهره ويجعل الغلبة له على الباطل . ونحن إذا عرفنا أن أكثر الناس محجوبون بألوان الأغطية عن معاينة الحق فسنهتدي بسهولة إلى معنى « الْحَاقَّةُ » إذ هي التي تكشف عن الإنسان غطاءه ، وتجعل بصره حديدا يرى الحقائق ، حقيقة ما جاءت به الأنبياء والكتب الإلهية ، وحقيقة نفسه وأعماله ، هل هو من أصحاب الحق « الْيَمِينِ » [ الواقعة : 38 ] أم من أصحاب الباطل « الشِّمَالِ » [ الواقعة : 41 ] ؟ وحقيقة مصيره . . والقيامة ليست تجعل الحق حقًّا فهي المحقة ، لأن الحق والباطل شيئان واقعيان لا تصنعهما الأحداث ، إنما دورها الكشف عنه ، وسوق النفوس إلى التسليم له ، حيث تنسف بأحداثها المريعة كل الحجب عن قلب الإنسان وعينه ليرى الحق ، كما قلنا في معنى يوم التغابن ، فإنه ليس بيوم يتغابن فيه الناس ، وإنما يكشف عنه . ويؤكد ربنا عظمة القيامة وهذه الصفة منها إذ يقول : « مَا الْحَاقَّةُ » إنها أمر عظيم ماديًّا ، حيث الوقائع الكونية المهولة ، ومعنويًّا بآثارها في النفوس - كل النفوس - وكيف لا ترهب الإنسان الضعيف تلك الأحداث الفظيعة التي أشفقت منها السماوات والأرض ، وكيف لا يخشى وهو يلاقي ربه ، ويرى عمله ، ويمضي إلى مصيره الأبدي ؟ ! . إن الحاقة ليست كلمة تقال ، فهذه الحروف عنوان لأمر عظيم ، تتزلزل به الأرض ، وتمور السماء ، وتسجر البحار ، وتتلاشى الجبال ، و « تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » [ الحج : 2 ] . وتساؤل القرآن ب - « مَا » يأتي في سياق التعظيم والتذكير والتحذير والإلفات ، ولا يقف عند ذلك بل يضيف : « وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ » وهذه الآية تفيد التعظيم ، كما تبين أن أحدا لا يدرك حقيقة القيامة ، وقد يعلم بعض المجملات عنها : بأنها حق ، وأن من أحداثها زلزلة الأرض ، وحشر الناس ، ودك الجبال ، ولكنه لا يعلم ميقاتها ، كما لا